السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

386

مختصر الميزان في تفسير القرآن

وكأنه تعالى يشير بقوله : « قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ » إلى ما ذكره الآيات السابقة من الحجج الباهرة على وحدانيته وانتفاء الشريك عنه ، والمعنى أن هذه الحجج بصائر قد جاءتكم من جانب اللّه بالوحي إلي ، والخطاب من قبل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ثم ذكر للمخاطبين وهم المشركون أنهم على خيرة من أمر أنفسهم إن شاءوا أبصروا بها وإن شاءوا عموا عنها غير أن الإبصار لأنفسهم والعمى عليها . ومن هنا يظهر أن المراد بالحفظ عليهم رجوع أمر نفوسهم وتدبير قلوبهم إليه فهو إنما ينفي كونه حفيظا عليهم تكوينا وإنما هو ناصح لهم . والآية كالمعترضة بين الآيات السابقة والآية اللاحقة ، وهو خطاب منه تعالى عن لسان نبيه كالرسول يأتي بالرسالة إلى قوم فيؤديها إليهم وفي خلال ما يؤديه يكلمهم من نفسه بما يهيجهم للسمع والطاعة ويحثهم على الانقياد بإظهار النصح ونفي الأغراض الفاسدة عن نفسه . قوله تعالى : وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ الخ ؛ وقرئ : دارست بالخطابات ودرست بالتأنيث والغيبة ، قيل : إن التصريف هو إجراء المعنى الدائر في المعاني المتعاقبة ليجتمع فيه وجوه الفائدة ، وقوله : « دَرَسْتَ » من الدرس وهو التعلم والتعليم من طريق التلاوة ، وعلى هذا المعنى قراءة دارست غير أن زيادة المباني تدل على زيادة المعاني وأما قراءة « دَرَسْتَ » بالتأنيث والغيبة فهو من الدروس بمعنى تعفّي الأثر أي اندرست هذه الأقوال كقولهم : أساطير الأولين . والمعنى : على هذا المثال نصرف الآيات ونحولها بيانا لغايات كثيرة ومنها أن يستكمل هؤلاء الأشفياء شقوتهم فيتهموك يا محمد بأنك تعلمتها من بعض أهل الكتاب أو يقولوا : اندرست هذه الأقاويل وانقرض عهدها ولا نفع فيها اليوم ، ولنبينه لقوم يعلمون بتطهير قلوبهم وشرح صدورهم به ، وهذا كقوله : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ